ابن يعقوب المغربي
459
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
الإنشاء أي : مبحثه ، ثم لفظ الإنشاء في الجملة يطلق على الكلام الذي لا تحتمل نسبته الصدق ، والكذب لعدم قصد حكاية تحققها في الخارج كما في الخبر ، ويطلق على إلقاء هذا الكلام وإيجاده وهو فعل المتكلم فإذا تحقق هذا فالضمير في قوله ( إن كان طلبا ) يعود إلى الإنشاء لا بمعنى العنوان على هذا المبحث ضرورة لأن المراد منه الجمل المتضمنة لهذا الفصل ، وليس طلبا بل بمعنى مطلق الطلب أو غيره ، ثم الأظهر أن المراد به حينئذ فعل المتكلم لا الكلام نفسه ويظهر ذلك بتقسيمه إلى الطلب وغيره ثم تقسيم الطلب إلى التمني وغيره ، ثم ذكر أن اللفظ الموضوع للتمنى الذي هو من أقسام ذلك الإنشاء لفظ ليت ، ومعلوم أن ليت لم توضع لنفس الكلام الذي هو قولنا مثلا : ليت الشباب يعود بل لفعل المتكلم ، ولكن يرد على هذا أن ليت لم توضع أيضا لفعل المتكلم الذي هو إلقاء هذا الكلام ، وإنما وضعت لنفس التمني الذي هو الحالة القلبية ، ولذلك يقال : إن ليت تتضمن معنى أتمنى فإن تؤول على معنى أن لفظ ليت موضوع ؛ لأجل أن يوجد أي يلقى له الكلام الإنشائى فتكون للعلة الغائية صح ذلك في إرادة نفس الكلام الملقى ، فيكون التقدير : إن اللفظ الموضوع للكلام الإنشائى على وجه التمني بمعنى : أنه وضع لأجل تحقيقه وتثبيته هو لفظ ليت ، فالأولى أن يراد به المعنى القلبي المتعلق بالنسبة التي إذا ذكر معهما اللفظ المشعر بذلك المعنى صارت النسبة إنشاء فقوله : إن كان طلبا احترز به مما إذا لم يكن طلبا ، فلم يتعرض له لقلة المباحث البيانية المتعلقة به لقلة دورها على ألسنة البلغاء ، وذلك كبعض أفعال المقاربة كعسى واخلولق وحرى ، وكأفعال المدح والذم كنعم وبئس ، وكصيغ العقود كبعت لإنشاء البيع ، ونكحت لإنشاء التزوج ، وكجملة القسم كأقسم باللّه لإنشاء القسم ، وكرب بناء على أنها للإنشاء باعتبار أنك إذا قلت : مثلا : رب جاهل في الدنيا والمراد أنك تستكثر الجاهلين ، ولا يعترضك تكذيب ، ولا تصديق في ذلك الاستكثار ، ولو كان يعترض باعتبار وجودهم في الدنيا نظر المدلول قولك في الدنيا لكن المتبادر أنها للإخبار ، وأن الغرض الإخبار بالكثرة لا مجرد إظهار الاستكثار فيعترضه التصديق والتكذيب